أخذت أحوال المخيم في التدهور منذ السنوات الأولى للاحتلال، وازدادت الأوضاع سوءا بعد رحيل الفدائيين ، ساءت تصرفات الناس وأفعالهم وعمت الفوضى جميع أنحاء القطاع، ولم يكن الوضع في الدول العربية المجاورة أحسن حال، فما عرف عن تلك الفترة في السبعينات أنها كانت نقطة سوداء في تاريخ فلسطين وكثير من البلدان العربية المجاورة، إلا أن الأوضاع في الأراضي المحتلة بالتأكيد كانت أكثر سؤءا، أصيب كثير من الشباب بهوس الموضة وعدم الاكتراث والتسيب والفوضى، فحل بالأراضي المحتلة كارثة اجتماعية حقيقية، وكان ذلك متوقعا بعد رحيل الفدائيين، فلا حسيب ولا رقيب الآن إلا من رحم ربي، تنبه مدراء المدارس إلى خطورة الوضع فعاملوا الطلاب بحزم واتخذوا مجموعة من الإجراءات اذكر منها :-
1- المحافظة على دور المدارس كصروح للعلم ومراكز إشعاع ثقافي وإقصاء الطلبة المنحرفين وطردهم من المدارس إذا تعذر إصلاحهم.
2- التعامل مع الطلبة بحزم فكان النظام بالمدارس أشبه بنظام الجيش حلاقه على الصفر (ملط) في معظم المدارس حتى الانتهاء من المرحلة الإعدادية.
3- استدعاء أولياء الأمور باستمرار للمدارس للتشاور والتعاون فمسؤلية الأبناء مسؤلية مشتركه بين المدرسة والبيت والتوجيه والإرشاد يقع على عاتق الاثنين معا.
ورغم كل هذه الإحتياطات من مدراء المدارس ومن أولياء الأمور وكل الشرفاء من أبناء وطننا الحبيب إلا أن التيار كان أقوى بكثير فجرف معه كل الجهود المخلصة، وبدأت الحياة ترسم معالمها دولة الاحتلال فدخلنا في نفق مظلم وانعطفنا في منحنى خطير كان شائكا ومحفوف بالمخاطر أوقع المجتمع في الهاوية، فسقط الكثير من الشاب في مستنقع الرذيلة وانتشرت المخدرات على نطاق واسع وامتلأت غزه بحانات الخمر وأصبحت سينما عامر بوسط غزه تعرض أفلام دعارة.
أهم مظاهر الفساد في المجتمع :-
1- تأثر الشباب في المجتمع الإسرائيلي وتقليد اليهود في لباسهم وهوسهم، فرؤية شاب يلبس سلسلة ذهب أصبح شيء عادي وشاب يمشي بشوارع المخيم بالشرط أصبح حرية شخصية.
2- ابتعاد الناس عن العلم بسبب ارتفاع أجور العمال التي أصبحت أعلى من رواتب المدرسين مما جعل بعض الناس يسخر من العلم وأهله.
3- عودة المقاهي إلى الظهور وانتشار المخدرات والمسكرات على نطاق واسع وانتشار ظاهرة لعب القمار في المقاهي وبعض البيوت الساقطة، كان بعض الشباب يعمل في إسرائيل كالآلة طوال الأسبوع ويعود إلى المخيم وجيوبه منتفخة من كثرة الفلوس، وبمجرد سهره شيطانية في احد الأوكار الساقطة كان يخرج منها الشاب سكران ومحشش ومفلس.
4- تفشي الجريمة وانتشارها فكم شاب قتل في المخيم لأسباب مجهولة أو لخلاف على معصية أو طمعا في السرقة أو لحب الانتقام أو لخلاف على نافذ أو شارع يطمع احد الجيران لضمه إلى بيته، مجتمع سايب لا ضوابط اجتماعيه ترعاه ولا وازع ديني يحكمه ولا سلطه تردعه.
5- انتشار الحفلات الراقصة بالشوارع وعودة ظاهرة النور (الجناكي) للظهور من جديد لإحياء الحفلات الراقصة وصاحب هذه الظاهرة توزيع المسكرات في بعض الأعراس علنا أو في إبريق فخار لما بقي عنده بعض الحياء.
6- انتقلت العدوى كرد فعل طبيعي إلى البيوت فأصبح لبس بلاطين الجينز شيء عادي للبنات وكشف الرأس لا عيب فيه وتدخين البنات في الأعراس لا حرج فيه وذهاب البنات للعمل في إسرائيل شيء عادي.
7- انتشار ظاهرة التعدي على أملاك الغير وإستقواء البعض على غيرهم وتحرك بعض الموطنين البدو لاسترداد أملاكهم وابتزاز الناس وإجبارهم على دفع بعض المبالغ لتركهم وشأنهم كل ذلك حصل بسبب ضعف المجتمع وعدم تماسكه فأصبحنا وكأننا في غابة، القوي يريد أن يفتك بالضعيف.
تجدر الإشارة هنا إلى قول الله تعالى "فمن تاب تاب الله عليه" صدق الله العظيم أنا لم اقصد الإساءة لأحد وهذا الكلام لا يخص مخيم البريج دون غيره ، فالمرض كان قد وقع وانتشر في كل أنحاء الأراضي المحتلة ومخيمنا جزء من هذا الوطن وأنا أدرك تماما أن الاحتلال البغيض هو من وقف خلف هذه الظواهر السلبية، فتدهورت القيم الأخلاقية وسقط المجتمع بالهاوية إلا من عصم ربي، ومن وسط المخيم رغم كل المعاناة وهذه الظروف السيئة فلا غرابه أن يبتعث المخيم العشرات من أبناءه سنويا للتعلم في مصر وفي جامعات الضفة الغربية وكنا نستقبل سنويا العشرات من الشباب الجامعي القادمين من الخارج لزيارة أهلهم وأذكر هنا حادثه بسيطة كنت أتمشى مع صديق حميم لي في المخيم وهو المهندس محمود طباشة وكان وقتها عائدا من مصر لزيارة أهله، فسمعنا عرس خلف الحي الذي كنا نسكن فيه وكانت الأغنية وطنية " وقفوني على الحدود" فاستبشرنا خيرا وقلنا أكيد فرح نظيف فذهبنا سويا لمشاهدة تلك الفرح، وما شاهدناه شيء يندى له الجبين مطرب يغني وغالبية الحضور نائمين من السكر وأباريق الخمر تدور من تحت الكراسي والمطرب في واد والناس في واد أخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق