الأربعاء، 7 مارس 2018

مقدمة الكتاب

مخيم البريج 

مخيم البريج هو أحد مخيمات اللاجئين التي انشأت بعد النكبة عام 1948م وان كان يختلف عن باقي المخيمات لانه كان منشأ من قبل وهو مليء بالبركسات والقوشان التي كان يسكنها الجيش البريطاني اثناء فترة الانتداب على فلسطين ولهذا كان الناس يسمونه معسكر، قدم الناس الى مخيم البريج عام 1949 وكان عدد السكان انذاك يقدر ب 13000 نسمه وكان يعتبر اصغر المخيمات في غزة، عاش الناس فيه ظروف صعبه وبقى المخيم شاهدا على ما اقترفته الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني بعد أن اغتصبت أرضه ووطنه وشرد أهلة وارتكب بحقه أبشع الجرائم .

ولمخيم البريج تاريخ مشرف يتصدر القمة في التاريخ النضالي لثورة الشعب الفلسطيني وأهالي المخيم تفخر بأبناءها الاحرار الذين قدموا ارواحهم فداءا للوطن ولا اعتقد احد من سكان المخيم يرفض ابراز هذا التاريخ المشرف على ارض هذا المخيم الصامد .

وألتمس العذر من القارئ الكريم لقلة المراجع مما اضطرني لأعتمد في كتابي هذا على اجراء عدة مقابلات مع اهالي المخيم الذين عاصروا الاحداث بأنفسهم لتوثيق الاحداث وايصال المعلومة الصحيحة للقاريء وأرجو من الله أن أكون وفقت في رصد الأحداث وتوثيقها حسب وقت حدوثها في المخيم .

لا اخفي عليكم حاولت الكتابة عن تاريخ مخيمنا أكثر من مره وذلك منذ أكثر من ثلاثين عاما إلا ان شعوري بالاحباط وعدم الرضا منعني من الاستمرار في الكتابة والذي شجعني على الكتابه هي زيارتي عام 1987 اثناء الانتفاضه الاولى شعرت بالفخر بالمخيم واهالي المخيم ورأيت الشباب وقد تغير حالهم وتبدلت أحوالهم لما يرضي الله سبحانه فالمساجد ولله الحمد قد امتلأت بالمصلين واصبح الناس يتكلمون بالدين وكلهم عصبه واحده في وجه المحتل رأيت بنفسي تحدي الصبيه لجنود الاحتلال واستفزازهم للجنود وضربهم بالحجارة وتحرك الصبيه بثقه دون خوف رأيت بنفسي حالة التكافل الاجتماعي الذي يعيشه أبناء الشعب الواحد في المخيم الواحد يتجسد بحب الناس وعطاءهم وحرصهم على بعضهم البعض كل هذه التغيرات جعلتني لا أتردد بحمل الأمانة والوفاء بالدين لأكتب بنفسي جراح وآلام وبطولات مخيمنا الذي عشنا فيه عشرات السنين عاصرنا خلالها كل أشكال الحياة وأنماطها نعيمها وبؤسها خيرها وشرها ومررنا بعدة مراحل خلال وجودنا في المخيم كان أولها التشرد والشتات وثانيها التذمر واليأس وثالثها التمرد والفوضى ورابعها الهدوء والاتزان واثبات أنفسنا من خلال العلم والتمسك بالقيم والأخلاق الإسلامية العالية .

لمحة تاريخية ايام العثمانيين

دارت معركة غزة الثانية ، في جنوب فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى ، وهي المحاولة الثانية التي تنفذها القوات البريطانية لكسر الدفاعات العثمانية على طول الخط بين غزة وبئر السبع . كانت معركة غزة الأولى في 26 مارس 1917 ، فشلا لقوات الحلفاء بعد قرار القائد الجنرال تشارلز دوبل ، بسحب قواته عندما كان في وضع يمكنه من الانتصار. شجع الانتصار في المعركة الأولى العثمانيين على الثبات على خط غزة - بئر السبع، في الوقت الذي كانت بريطانيا تستعد لتجديد هجومها، أقوى من ذي قبل. كانت المعركة هزيمة أخرى كارثية للبريطانيين، وخاصة في صفوف قوات المشاة البريطانية، ومكلفة بالنسبة للحلفاء، وأسفرت عن إقالة قائد قوة التجريدة المصرية الجنرال أرشيبالد موراي الذي كان قد بدأ حملة سيناء وفلسطين منذ يناير 1916، واستبداله بالجنرال إدموند ألنبي ، الذي استطاع إعادة تنظيم قواته، وانتصر على العثمانيين في معركة غزة الثالثة ، كاسرًا خط بئر السبع - غزة الدفاعي، لتبدأ حملته على القدس .
القوات العثمانية على خط غزة بئر السبع 


اتخذ الانجليز من منطقة البريج والنصيرات والمغازي مركز عسكري لقيادة قواتها فأنشأت فيه المعسكرات لتدريب الجنود والثكنات العسكريه وبنت في هذه المنطقة مستودعات ضخمه للذخيرة وأنشأت اكشاك كمطاعم للجنود وبركسات لنوم الجنود وحمامات عامه وقوشان لاصلاح وصيانة المعدات العسكرية وبنت مدرج ضخم كان مهبط لطائراتهم وبنت كذلك على مقربه من البريج في مخيم النصيرات كلبوش اي سجن مركزي لاعتقال الثوار وتعذيبهم وكانت هذه المنطقه انذاك واحد من اكبر معاقل الجيش البريطاني في فلسطين .


 سجن الكالبوش بالنصيرات 



وأكثر ما اشتهر بالمعسكر هو قصر مقبولة ويقع هذا القصر جنوب شرق المعسكر وقريب من خط الهدنة وقد عرف فيما بعد بمركز حرس الحدود في عهد الاحتلال الإسرائيلي ومقبولة هي زوجة الشيخ فريح أبو مدين شيخ شيوخ بئر السبع الذي كان مقربا من الإنجليز أثناء الانتداب البريطاني . 




وأثناء الحرب العالمية الأولى غدا مأموراً لجباية الحبوب للجيش العثماني، الذي كان مرابطاً جنوب فلسطين، وخلال الحرب اعتقلته القوات البريطانية، ووضع في معتقل الأسرى، وتعرف مدير الاستخبارات الإنكليزية إليه فقدمه إلى ضباط الإنكليز فأكرموه وقربوه إليهم، وبعد الحرب رجع إلى منازل عشيرته وصار شيخاً لها.

في عام 1922 عين رئيساً لبلدية بئر السبع، وأنعمت الحكومة البريطانية عليه بوسام الإمبراطورية من درجة عضو فخري، ثم عين عضواً في المجلس الاستشاري الذي أنشأه هربرت صموئيل، المندوب السامي البريطاني الأول، وصار مندوباً عن بئر السبع.

كما كان خلال عشرينيات القرن الماضي عضواً في محكمة العشائر في منطقة بئر السبع، ومن مشايخ العربان البارزين.

بعد نكبة عام 1948 لجأت عائلته إلى قطاع غزة وعاش في مخيم البريج هو وعائلته وتوفي الشيخ فريح عام 1955.


سكان المنطقة الاصليين

يعتقد المؤرخون أن أقدم من سكن هذه البلاد هي القبائل الكنعانية وخاصة العمالقة، وقد استقرت فيما بعد مع هذه القبائل واختلطت بها، مجموعات أخرى من الأموريين والمدينيين. وهذا دليل على أن أصل أقدم سكان لهذه المنطقة هم من العرب الذين نزحوا من الجزيرة العربية.


يقطن الديار الجنوبية من فلسطين اربع قبائل عربية كبيرة ذات بطون وعشائر كثيرة العدد تمتلك نصف مساحة فلسطين أي قضاء بئر السبع كاملاْ بما فيه صحراء النقب, وهو ذو شكل مثلث يقع رأسه عند بقعة المرشرش على خليج العقبة ويشمل جميع الارضي الواقع بين قضائي غزة هاشم , خليل الرحمن وشبه جزيرة سيناء و شرقي الاردن وجنوب البحر الميت ووادي عربة.

وقبائل بئر السبع لم يختلطوا مع اناس اخرين ولم يسكن معهم احد في صحرائهم الواسعة المترامية الاطراف لذالك بقوا محافظين على عادتهم وتقاليدهم العربية الاصيلة .

القبائل الاربعة هي : الجبارات , التياهى , الترابين , العزازمة
جُبارات: ينحدرون من الحِريِّث من جذام
التياهى : ينحدرون من قبائل الاوس والخزرج
الترابين : من بطون قبيلة قريش
العزازمة :من بطون قبيلة الشرارات من بني كلب

ومجمل القبائل البدوية في بئر السبع هي :

الجبارات ,نجمات ,غوالي ,حسنات, أبو معيلق ,الوحيدات ,القلازين ,التياهى ,الحكوك, العلامات, القديرات ,الظلام, الرماضين, الشلاليين بلى ,بنو عقبة القريناوية ,البدينات ,عيال, عمري ,العزازمة, الحناجرة, أبو مدين, الظواهرة, الحمدات, النصيرات, السعيديون الأحيوات, العطاونة ,القطاطوة ,المحمديون, الترابين



عشائر الحناجرة : 
وعشيرة الحناجرة ابو مدين : مشيختها في "آل ابو مدين" وتضم القبائل التالية " ابو مدين ، البدرين ، العربين ، النعامين ، النباهين"


ويتألفون من العشائر التالية :

أ- عشيرة الحناجرة ابو مدين : مشيختها في "آل ابو مدين" وتضم الفصائل التالية "ابو مدين , البدرين , العربين , النعامين , النباهين , النخيلات , النعيمات , ابة خوصة ".
ب- عشيرة الحناجرة الحمدات : مشيختها في "آل السميري" وتضم الفصائل التالية " السميري , المنديل , السلاسلة , ابو حجاج ".
ج- عشيرة الضواهرة : مشيختها في "آل ابو ظاهر" وتضم الفصائل التالية "العماوين , المصالحة , العوامرة , العوايشة".
د- عشيرة النصيرات : مشيختها في "آل المصدر يعودون بنسبهم الى((الانصار)) من المدينة المنورة وهم "المصدر , فقير , كريشان".



صورة تاريخية لمنطقة جنوب فلسطين 

عمل السكان قبل الهجرة

يعمل سكان هذه المنطقة منذ القدم بالزراعة وتربية الماشية والرعي وامتهان بعض الحرف اليدوية مثل غزل الصوف وعمل السلال والحبال والخيام وبعض الحرف الشعبية الأخرى .

مطرزات بدوية 

الطاحونة 

النول لصناعة البسط 

مطرزات للخيول

صناعة السلال

صناعة الفخار 

طحن الحبوب 

نكبة فلسطين عام 1948

لا أريد هنا أخوض في تفاصيل تلك الحرب أنا سأكتفي هنا بتسليط الضوء على الدور الأمريكي وتأمره البشع مع الصهيونية العالمية وسأوجز هنا ما جاء في كتاب تاريخ العرب الحديث للدكتورة زاهية قدوره .
اتضحت  نوايا أمريكا ألعدائيه للعرب عندما قام عدد كبير من أعضاء الشيوخ ومجلس النواب الأمريكي بمناسبة الذكرى الخامسة  والعشرين لتصريح بلفور بالتأكيد المطلق لإقامة وطن قومي يهودي  في فلسطين ممهدة لذلك بإقامة كومون ولث يهودي في عام 1942 وفي أيلول سبتمبر من عام 1943 توصل الصهاينة الأمريكيون في مؤتمر عقد في بلتيمور إلى قرار جريء وهو عزمهم على أقامة الدولة اليهودية وكان ذلك قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية ، فلذا تسابق المرشحون للرئاسة إلى نشر الوعود وإلقاء التصريحات وكلها في صالح اليهود وتجلى ذلك بوضوح عام 1944 عندما وعد روزفلت خلال الدورة الانتخابية بالمساعدة في إقامة دوله يهودية وطلب من الشعب الأمريكي أن يساعد الصهاينة في إقامة دولتهم ، كما وعد بزيادة العون والمساعدة إذا ما نجح في انتخابات الرئاسة هذا وتبنى هاري ترومان الرئيس الأمريكي الجديد القضية الصهيونية بصراحة في 31 آب عام 1945 طلب باسم الولايات المتحدة السماح بدخول مئة ألف يهودي إلى فلسطين دفعه واحدة وبسبب معارضة بريطانيا حرصا على علاقتها الوطيدة مع الحكومات العربية تراجعت أمريكا عن مطلبها هذا وتدخلت أمريكا في عهد الرئيس اتلي وطالبت بتأليف لجنه أمريكية بريطانية مهمتها التحقيق في وضع اليهود في الأراضي التي يسكنونها ودراسة إمكانية استيعاب الأراضي لمهاجرين جدد وقد بدأ الضغط الصهيوني على اللجنة منذ تأليفها فكان ذلك واضحا على قرارات اللجنة كلها في مصلحة الصهيونية .
وإزاء هذا التأييد الذي أظهرته أكبر قوة عسكرية وسياسية في العالم وهي الولايات المتحدة لدعم مركز اليهود في فلسطين ، وتغيير ميزان القوى لصالح اليهود ، بدأ اليهود يباشرون نشاطا إجراميا قامت به منظمات إرهابية منها الهاجانا وشترن وأرجوي رماي ليومي ونشطت الوكالة اليهودية في الدعوة  إلى الهجرة .
وعندما قامت بريطانيا بتحويل القضية إلى الأمم المتحدة كان معنى ذلك في الواقع تسليم الأمر إلى أمريكا التي بدأت سيطرتها واضحة على الأمم المتحدة والخلاصة أن الموضوع قد عرض على الأمم المتحدة في نيسان عام 1947 ، فأرسلت لجنة "انسكوب"  وقدمت تقريرها في أول أيلول عام 1947 ولم تصل إلى قرارات أجماعية فقد عرضت حلين هما : -
1-    تقسيم فلسطين إلى دولتين
2-    إقامة نظام فدرالي يضم كلا من العرب واليهود

تطورت الحوادث فازداد الضغط الصهيوني قوة والنفوذ الأمريكي تأثيرا حتى نجحت الجمعية العامة في التصويت على مشروع التقسيم في 29 تشرين الثاني نوفمبر عام 1947 ، استنكر الفلسطينيون ذلك وهبوا للدفاع عن أرضهم وقامت بينهم وبين اليهود معارك ضارية وبسبب قوة المعارضة العربية والفلسطينية لقرار التقسيم سحبت أمريكا تأيدها لهذا القرار في مجلس الأمن في آذار عام 1948  ومع ذلك فإن المقاومة العربية ضعفت نظرا لحاجة الفلسطينيين إلى السلاح وتراخي الحكومات العربية في المبادرة السريعة لإنقاذ الموقف وفي نفس الوقت بدأ البريطانيون في الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها اليهود وتركوا لليهود حرية العمل والحركة في حين ابقوا سيطرتهم على المناطق العربية وقاموا بأثر معاكس بالنسبة للعرب شلوا حركتهم وفرضوا عليهم إجراءات عسكرية مشدده واستفاد اليهود من الحماية البريطانية ، وعند انسحاب بريطانيا في 15 أيار عام 1948 أعلن اليهود استقلالهم واعترف الرئيس ترومان بذلك الاستقلال خلال دقيقه واحده من إعلانه ثم قبلت عضو في هيئة الأمم المتحدة في أيار عام 1948  .
وجاء بعد ذلك فتره من أقسى فترات التاريخ العربي ، فقد بدأ اليهود في ظل الهدنة التي فرضت على العرب لوقف القتال وإعلان الهدنة يستقدمون السلاح من حلفائهم خاصة أمريكا ويجمعون التبرعات ويقوون أنفسهم ثم أخذوا ينشرون الرعب بين المواطنين العرب فارتكبوا مجازرهم الوحشية ، أشهرها مجزرة دير ياسين التي تمثل أقصى ما يمكن من الأجرام والوحشية ، كل ذلك لنشر الرعب والفزع بين العرب ودفعهم إلى ترك بلادهم والتخلي عن أراضيهم ومن هنا أصبحت أكثرية السكان العرب الفلسطينيين لاجئين في تلك المخيمات التعسة ألموزعه في أنحاء مختلفة في فلسطين والبلاد العربية المجاورة. 

مذبحة دير ياسين


مذبحة دير ياسين في قرية دير ياسين، التي تقع غربي القدس كانت في 9 ابريل عام 1948 على يد الجماعتين الصهيونيتين: أرجون وشتيرن. أي بعد أسبوعين من توقيع معاهدة سلام طلبها رؤساء المستوطنات اليهودية المجاورة ووافق عليها أهالي قرية دير ياسين. وراح ضحية هذه المذبحة أعداد كبيرة من السكان لهذه القرية من الأطفال، ويقدر الفلسطينين عدد ضحايا هذه المذبحة ب 400 شخص معظهم من كبار السن والنساء والشباب .

وكانت مذبحة دير ياسين عاملا مهما في الهجرة الفلسطينية الى مناطق أخرى من فلسطين والبلدان العربية المجاورة لما سببته المذبحة من حالة رعب عند المدنيين ولعها الشعرة التي قسمت ظهر البعير وهي أججت الصراع عام 1948 واضافت المذبحة حقدا اضافيا على الحقد الموجود أصلا بين العرب والإسرائيليين.


توافد افواج المهجرين للمخيم


بدأت أفواج المهجرين بالتوافد على مخيم البريج بأعداد كبيرة وكان واضحا عليهم  الإرهاق والتعب وبعضهم قطع عشرات بل مئات الأميال مشيا على الأقدام كانوا ينامون بالعراء يتوقفون قليلا لالتقاط أنفاسهم ثم يواصلون السير وبسبب خوف الناس وهلعهم مما سمعوا عن جرائم اليهود ومكرهم فمنهم من اضطر لترك والديه طالبا النجاة بنفسه ومنهم من فقد ابنه على الطريق ومنهم من أمر بناته ونسائه بشحبرة وجوههن بالسواد ولبس الملابس الرثة حتى لا يطمع فيهن طامع على الطريق ومنهم من كان لا يقوى على المشي فمات على الطريق أو توقف منهك بوسط الطريق كانت خطا الناس تتسارع بحثا عن مكانا آمن يؤون إليه يأتمنون فيه على أنفسهم وعلى أعراضهم .

بدأت الناس بالتوافد على مخيم البريج بعضهم وصل وكان يحمل أمتعته على رأسه أو على كتفه أو على ظهره وبعضهم حمل أمتعته على العربات التي تجرها الحمير والخيول وبعضهم من وصل دون أي أمتعه فالكثير منهم اعتقد أنهم سيرجعون بعد أيام عندما تهدأ الأمور ولم يكن احد يدري أنها كانت البداية لرحله طويلة من المعاناة والعذاب .

ومع إن مخيم البريج كان مليء بالبركسات والأكشاك والقووشان التي خلفها الإنجليز إلا أنها ضاقت ذرعا بأعداد المهجرين الكبيرة فلم تستوعب إلا القليل منهم عاش الناس بتلك الأكشاك بظروف سيئة فلم تكن مهيأة أصلا للسكن والأكشاك سبق التنويه عنها فهي عبارة عن أبنيه عسكريه بمساحات كبيرة بنيت لاستيعاب الجنود وبعضها مستودعات لتخزين الذخائر وبين عشية وضحاها تحولت هذه البركسات إلى بيوت وأصبحت تأوي عشرات الأسر ممن قدموا من قرى ومناطق مختلفة من فلسطين ونظرا لكبر مساحة البركسات اضطرت الأهالي للفصل بين الأسر بالشوادر والبطاطين وألواح الشينكو وربما كان هؤلاء الناس محظوظين أكثر من غيرهم لأنهم قدموا مبكرا إلى المخيم أما من جاءوا مؤخرا فلم يجدوا أمامهم إلا العراء فالكثير من الأسر افترشوا الأرض وتلحفوا بالسماء .


وعندما بدا العالم يسمع بنكبة الشعب الفلسطيني تدخلت بعض الجمعيات الإنسانية وأرسلت مندوبين عنها لتفقد أحوال اللاجئين والوقوف عند طلباتهم وتقديم العون لهم وبعد اتفاقية رودس ووقف الحرب مع إسرائيل تدخلت وكالة الغوث الدولية وقامت بتوزيع الخيام وتقديم بعض المواد الغذائية والبطاطين لأهلنا المهجرين ، وكل ما قدمته وكالة الغوث هو محاوله لذر الرماد بالعيون لإسكات العالم عن الجريمة أللا إنسانيه التي اقترفها اليهود بحق الشعب الفلسطيني .


التعريف بمعسكر البريج

في بداية الهجرة كانت تلك المنطقة تعرف بمعسكرات الجيش الإنجليزي ، وكان الناس في بداية الهجرة يحثون بعضهم البعض للتوجه إلى معسكرات الإنجليز للإقامة فيها فالسكن فيها على أي حال أفضل من السكن في العراء وفي الخيام التي لا تقيهم برد الشتاء ولا تستر عوراتهم وكان عدد كبير من اللاجئين يعيش في البركسات الموجودة في بلك "8" القريب من المقبرة ونظرا لوجود برج مرتفع في تلك المنطقة فأصبح ذلك البرج معلم بارز والناس المقيمين في تلك المنطقة مجاورين للبرج وإذا قدموا من خارج المخيم بواسطة سيارات الأجرة كانوا يطلبون من سائقي التاكسيات إيصالهم إلى البرج فأصبح إقامة الناس في المخيم تحدد حسب قربهم أو بعدهم عن البرج ومع الوقت تحرف الاسم من البرج إلى البريج وظل المخيم يعرف بالمعسكر نسبة إلى معسكرات الجيش الإنجليزي إلا أن هذه التسمية بعيده عن الواقع ولا تمثل واقع الحال فجميع الأهالي يؤكدون أن إقامتهم في هذا المخيم هي إقامة مؤقتة ويصرون إلى حتى الان على حق العوده إلى أوطانهم وديارهم التي نزعوا منها ظلما وغدرا ويبقى هذا المخيم وغيره من المخيمات شاهدا على الجريمة البشعة التي ارتكبها اليهود بحق أبناء الشعب الفلسطيني وذويهم .



معظم السكان المهجرين الذين وصلوا إلى مخيم البريج والمخيمات ألمجاوره قدموا من المدن والقرى ألمجاوره والقريبة من مدينة غزه والتي كانت في عهد الانتداب البريطاني تخضع إداريا إلى لواء جنوب فلسطين والبعض منهم جاء من اللواء الساحلي واللواء الأوسط والقليل القليل منهم قدموا من اللواء الشمالي بحكم بعد مدينة غزه عنهم .
عراق المنشية - قرية قرية المجدل

ويمكن حصر اسماء القرى والمدن التي قدم منها المهجرين وهي على النحو التالي :
يافا ، الرملة ، اللد ، المجدل ، ازدود ، بئر السبع ، يازور ، حيفا ، عكا ، العجمي ، سلمى ، المنشية ، صرفند ، السافريه ، نعلين ، بيت دجن ، جمزو ، عنابه ، وادي الصرار ، وادي حنين ، يبنه ، بير يعقوب ، عمواس ، الفالوجه ، عراق السويدان ، المسميه ، كرتيه ، المغار ، حمامه ، الجوره ، النعاني ، قبيبه ، بربره ، بشيت ، عاقر ، قطره ، كوكبا ، الجيه ، حليقات ، جسير ، البطاني ، التينه ، عجور ، مغلس ، سمسم ، اذنبه ، عيون قاره ، جوليس  وغيرها الكثير من القرى  .






الحياة في بداية الهجرة

عرف أهلنا المهجرين معنى الوطن في بداية هجرتهم شعروا بالضياع لتشتتهم ، عرفوا معنى الحرمان لبعدهم عن أوطانهم لم يكن سهلا عليهم ترك أوطانهم والعيش بعيدا عنها ، اضطر أهلنا للخروج من أوطانهم قسرا لخوفهم من بطش اليهود ومكرهم ، تركوا كل شيء وراء ظهورهم خوفا على أعراضهم وللمحافظة على كرامتهم ، نجح اليهود بخبثهم ومكرهم بدب الرعب في قلوب الناس وحملهم على الرحيل فتركوا الارض والديار لسماعهم أخبار المذابح في قبيه ودير ياسين فكانت الأخبار والإشاعات  تتناقل بين الناس منها ما هو صحيح ومنها ما كان بغرض تخويف الناس لحملهم  على الرحيل فكان حديث الناس الدائم في كل مكان عن عصابات الهاجانا وها تحيا وشترن وارجوي وماذا فعلوا هنا وماذا فعلوا هناك من جرائم ومن مذابح بحق أبناء الشعب الفلسطيني .


بقي الناس تحت تأثير هذه الدعاية وهاجس الخوف يطاردهم حتى رحلوا عن ديارهم  وتركوا أوطانهم واستيقظوا على وجودهم في هذا المخيم وباقي مخيمات الشتات كثيرا من الناس بعد فتره بسيطة من وجودهم في المخيم تمنوا لو بقوا في ديارهم وفي أرضهم ربما لكان ذلك أشرف لهم وأسهل عليهم ألف مره من العيش في مخيمات البؤس والشتات .


التكيف مع الواقع الجديد :-
استقوى أهلنا على الجراح وبدئوا التقاط أنفاسهم من جديد فلم يعد الندم يجدي نفعا ولا البكاء قادرا على إعادتهم إلى ديارهم وقراهم فكان لابد من التكيف مع الواقع الجديد ، سلم الناس بكل التغيرات التي حصلت على واقعهم وعلى ما آلت إليه الأمور فأصبح الناس في الهم سواء عاشوا الفقر بأبشع معانيه بعد حلاوة الحياة ورغد العيش التي كانوا ينعمون به في ديارهم وبلداتهم فلم يكن سهلا عليهم وقوفهم العشرات بالطابور لتعبئة مواعينهم بالماء واستلام الصدقات والإعانات من وكالة الغوث والجمعيات الإنسانية.
  
ورغم بعد أهلنا عن ديارهم إلا أن عيونهم بقيت صوب الديار تحلم بالكرم والبستان والحوش القديم فعششت ذكرى الديار في أذهان وعقول وقلوب أهلنا المهجرين فكانت الناس تجهش بالبكاء أحيانا وتذرف الدمع الغزير عندما تعود بهم الذاكرة إلى الوراء فلم تغيب أوطانهم عن ذاكرتهم ولو للحظه واحده فبقيت عالقة في الأذهان وكل العيون ترقب من بعيد وتحلم بالعودة وأصبح عند كثير من الناس استعداد لتحمل المخاطر والتسلل تحت جنح الظلام للعودة إلى الديار لجلب بعض الحاجيات والمصاغات والأموال والقطع الثمينة والوقوف على الأطلال واستنشاق هواء الديار .


مخيم البريج في بداية الهجرة 

التسلل عبر خط الهدنة

بعد أن أعلنت إسرائيل استقلالها المزعوم وأسست ما يعرف بدولة الكيان الصهيوني وبعد التوقيع على اتفاقية رودس وإعلان وقف الحرب مع الدول العربية أقامت إسرائيل سياج حدودي وهو ما أصبح يعرف بخط الهدنة ، اتجهت عيون أهلنا المهجرين نحو ديارهم وأوطانهم وبحكم وجود مخيم البريج على مقربه من خط الهدنة كانت عيون الناس تحدق من بعيد وتتطلع إلى ما وراء هذا الخط ، فاستطاع عدد كبير من الشباب التسلل تحت جنح الظلام والوصول إلى ديارهم والى قراهم فمنهم من رجع ليطمئن على ما تبقى من أسرته وهم العجزة وكبار السن الذين عرفوا مؤخرا بالصابرين أو عرب إسرائيل كما يسمونهم البعض ، ومنهم من رجع لجلب ما كان يخفيه من مال أو مصوغات ذهبيه أو فضيه تركوها في بيوتهم ، واشتهر في ذاك الوقت ما يعرف بالدواليل ومفردها دلول وهم أناس اكتسبوا خبره من كثرة تسللهم عبر خط الهدنة وأصبحوا أكثر دراية ومعرفه بالطرق والمسالك الآمنة فنجح هؤلاء الدواليل بمساعدة الكثير من الناس وإيصالهم إلى الضفة الغربية والشرقية ، ومنهم من رجع لينتقم من اليهود لغدرهم وظلمهم لأبناء شعبه فسرق ونهب واتلف الزرع وقتل ومثل بجثث اليهود بعد قتلهم بنفس الأسلوب الذي استخدمه اليهود الصهاينة ضد شعبنا .
ونظرا للضربات الموجعة التي نفذها الشباب المتحمس داخل الكيان الإسرائيلي شجع ذلك الحكومة المصرية لتأسيس ما يعرف بكتائب الفدائيين وأصبح العمل الفدائي أكثر تنظيما وأكثر إيلاما لليهود .

كتائب الفدائين في غزة 



كتائب الفدائيين في المخيم

تم تكليف اللواء مصطفى حافظ بأمر من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بإنشاء كتائب الفدائيين وذلك في عام 1954 ويعتبر اللواء مصطفى حافظ من أكفء الضباط في الجيش المصري ، كانت نواة تلك الكتائب خيرة شباب أبناء فلسطين غالبيتهم من الشباب المتحمس اللذين اعتادوا على اجتياز الحدود والوصول إلى قلب فلسطين كان هؤلاء الشباب على قدر كبير من الشجاعة والخبرة والمعرفة في الطرق والمسالك التي تؤدي إلى القرى والمدن الفلسطينية ، تم تنظيم هؤلاء الشباب وتدريبهم على أعلى مستوى ثم بدأت كتائب الفدائيين بكل شجاعة تنطلق عبر خط الهدنة وتكيل الضربات الموجعة واحده تلو الأخرى في قلب الكيان الصهيوني .


اللواء مصطفى حافظ

التخلص من قائد الكتائب : 
تصاعدت وتيرة الهجمات عبر الخط الأخضر وبدأت هذه الضربات الموجعة تقلق مضاجع الإسرائيليين مما دفعهم بالتفكير في التخلص من قائد هذه الكتائب وذلك عن طريق إرسال طرد به عبوه ناسفه مع احد الفدائيين الأسرى بعد أن أطلق سراحه ، فقام هذا الأسير في إيصال الطرد الملغوم بكل براءة دون أن يعلم ما بداخله فسارع اللواء مصطفى حافظ بفتح الطرد ولم يتبادر إلى ذهنه مكر اليهود وخبثهم وما كانوا يضمرون له من شر فكان اللواء مصطفى حافظ ضحية لتلك الطرد الملغم فتحقق لليهود غايتهم ونجحوا في تنفيذ مخططهم والتخلص من هذا القائد الشجاع  بعد أن قام بالتخطيط والأعداد للعشرات من العمليات الناجحة في قلب الكيان الصهيوني عبر كتائب الفدائيين .



أثار هذا الحادث سخط أهالي غزه وتأسف الناس كثيرا على هذا الرجل الشجاع الذي قدم حياته من أجل فلسطين لإيمانه المطلق بعدالة القضية الفلسطينية وحق هذا الشعب باسترداد أرضه ووطنه بالمقاومة التي أقرتها كل الشرائع والقوانين الدولية. ومن الملفت للنظر أن حادثة الطرد الملغم التي حصلت كانت الأولى من نوعها في العالم ولم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية من قبل.
لم تقف جرائم اليهود عند هذا الحد تواصلت تلك الهجمات الشريرة ضد شعبنا ، فحصل في مخيم البريج جريمة بشعة لا تقل في فظاعتها عما حصل مع اللواء مصطفى حافظ أقدم اليهود على قتل شاب بطل كان يعتبر من أكفء الفدائيين في جرءته وشجاعته كان يعرف بابو خربه قام اليهود بقتله والتنكيل بجثته وإخراج أحشائه وحشو جوفه بالصبر وقاموا برميه على أطراف المخيم ليكون عبره لغيره من الفدائيين ، لم يكترث شعبنا بهذه الحادثة أو تلك بل ازدادوا صلابة وقوه في المقاومة واستبسل الفدائيين برد الصاع بصاعين فنجح الفدائيين بقتل العشرات من اليهود وأمعنوا في قتلهم ونكلوا بهم  بنفس الأسلوب وأشد قسوة .

هجمات اليهود المضادة على المخيم

جعل اليهود من مخيم البريج مسرحا لهجماتهم المضادة فقاموا بشن هجمات خاطفه ومنظمه ضد مخيم البريج وأهله وخصوصا في عام 1954 وأكثر المناطق التي تضررت في تلك الهجمات هي الأحياء السكنية المتطرفة والواقعة على أطراف المخيم من ناحية الشرق والقريبة من مستشفى الأمراض الصدرية ، ولم تسلم خيام البدو من عرب السواركه من تلك الهجمات ففي احد الهجمات قاموا بالاعتداء عليهم وحرق خيامهم .

 وتوالت هذه الهجمات وفي احد المرات كانت أكثر وحشيه إذ تعرض المخيم لهجوم كاسح في وضح النهار من ناحية بلوك اثنين ووصل اليهود إلى منتصف المخيم وارتكبوا مجازر فظيعة بحق أبناء المخيم فقتل الكثير من الأبرياء في الشوارع والطرقات وألقيت القنابل اليدوية على البيوت فقتل الكثير من النساء والأطفال والشيوخ ولم يكن الهدف من ذلك أكثر من إشباع نزوة القتل التي اعتاد عليها اليهود وأصبحت تجرى في عروقهم  مجرى الدم .
فما أصعب تلك المجازر البشعة وما أشد ضراوتها بحق أبناء مخيم البريج ولا شك هذه الأحداث أوقعت الرعب في نفوس أهالي المخيم وبالأخص هؤلاء السكان الذين يعيشون على أطراف المخيم في بلك 11 وهو البلك القريب من المستشفى وكرد فعل طبيعي لما حدث بدء سكان تلك المنطقة في النزوح والبحث عن أماكن أخرى أكثر أمنا ، ففي عام 1954 توجه هؤلاء النازحين إلى مخيم النصيرات المجاور وأقاموا في منطقه غرب المخيم قريبه من البحر ثم اضطرت الوكالة لبناء مساكن لهم في تلك المنطقة وأصبحت تعرف بالمخيم الجديد وهي منطقه أمنه بعض الشيء تبعد عنهم الرعب وتجنبهم الهجمات المضادة .



من شوارع المخيم 

العدوان الثلاثي على مصر

في عام 1956 تحالفت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا على أثر تأميم مصر لقناة السويس ، وبتواطىء مع هاتين الدولتين بريطانيا وفرنسا قامت إسرائيل في 29 أكتوبر تشرين أول بشن عدوان واسع وكبير على قطاع غزه وشبه جزيرة سيناء وفي 31 أكتوبر دمرت طائرات هاتين الدولتين أهدافا عسكرية في مصر وردت مصر على هذا الهجوم بأن أغرقت سفنا في القناة لتحول دون عبورها *(1) .
العدوان الثلاثي على مصر 
استغل اليهود دخولهم قطاع غزه وسيطرتهم الكاملة عليه فقاموا بإلقاء القبض على العديد من الفدائيين والثوار الذين اعتادوا اجتياز الحدود والتسلل إلى قلب فلسطين وأثناء العدوان قام اليهود بقتل أعداد كبيرة من الثوار واسر البعض الأخر  وكذلك قام اليهود بارتكاب مجازر وحشيه في مدينتي رفح وخانيونس وفي أنحاء متفرقة من القطاع  فحسب شهادة الشهود من أهالي خانيوس قامت إسرائيل بإعدام العشرات من الشباب وهم ملفتي ظهورهم بدم بارد ودون رحمه.
مجزرة خانيونس في نوفمبر عام 1956



 كل ذلك أثار سخط العالم العربي والمجتمع الدولي  فنتائج هذه الحرب لم تدم طويلا فكان الشعور العالمي متعاطفا مع مصر ففي حلول شهر مارس آذار 1957 ، انسحبت القوات الغازية من الأراضي التي احتلتها أثناء هذه الحرب وذلك على أثر قرار صدر من الأمم المتحدة أدين فيه العدوان وطالب إسرائيل بالانسحاب الكامل من جميع الأراضي التي احتلتها ايبان العدوان وذلك بعد مرور حوالي أربعة أشهر على احتلال قطاع غزه وشبه جزيرة سيناء .
------
 ·         (1) فلسطين الفكر والكلمة للدكتور محمود السمره ص 265

انسحاب الجيش الاسرائيلي

في ليلة السابع من مارس عام 1957 قامت القوات الإسرائيلية عشية تلك الليلة تحت جنح الظلام بسحب آلياتها العسكرية من قطاع غزة وذلك فجر السابع من مارس وهي تجر وراءها أذيال الخيبة وتم إنزال علم الجيش الإسرائيلي من فوق مبنى السرايا في غزه ومن فوق جميع مراكز الشرطة المنتشرة في القطاع ورفع بدلا منه علم الأمم المتحدة وذلك بعد دخول القوات الدولية إلى القطاع وكانت تلك القوات تتألف من ثمانية عشر دوله محبه للسلام من دول أسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية وذلك على اثر قرار صدر من مجلس الأمن أدين فيه العدوان وطالب إسرائيل بالانسحاب الكامل من جميع الأراضي التي احتلت أثناء العدوان مما اجبر إسرائيل وحلفاؤها على التراجع والانسحاب من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزه فيما بعد إلا أن إسرائيل أخذت تتلكأ في انسحابها من قطاع غزه مطالبة بعدم عودة الإدارة العسكرية المصرية لقطاع غزه بحجة أنها أراضي غير مصريه وان مصر ليس لها الحق في المطالبة بذلك ولم تعترف إسرائيل إلا بشرعية القوات الدولية لتحل محل القوات المصرية ، وقد تم انسحاب إسرائيل فعلا ودخلت القوات الدولية القطاع في 7 من مارس 1957 ، إلا أن سكان قطاع غزه كانوا غير راغبين بالقوات الدولية .

أثير سخط سكان قطاع غزه بكاملة وعمت المظاهرات جميع أنحاء القطاع وأصبحت عودة الإدارة المصرية مطلب جماهيري ، ونتيجة لغضب الجماهير الفلسطينية المتأجج اضطر تشيني رئيس مجلس الآمن إلى إرسال لجنه دوليه إلى القطاع لمعرفة أراء المواطنين ومطالبهم ، وعلى الفور بادرت الإدارة المصرية إلى إرسال بعثه إعلاميه من صوت العرب وعلى رأسها المذيع الشهير احمد سعيد المندوب الإعلامي لصوت العرب لتغطية الأحداث ، تم توزيع مناشير على الطلبة وتلقينهم بعض الجمل الإنجليزية للتظاهر بها أمام اللجنة ونظمت المظاهرات على نطاق واسع ويقال أنها كانت اكبر مظاهره يشهدها قطاع غزه مطالبه بعودة الإدارة المصرية لقطاع غزه ، رفعت اللجنة تقريرها إلى مجلس الأمن فصدر قرار آخر بعودة الإدارة المدنية فقط وإنهاء الإدارة العسكرية المصرية على القطاع وإيكال هذه المهمة إلى القوات الدولية وبعد أسبوع واحد من وصول القوات الدولية أي في يوم 14 مارس من عام 1957 دخلت كوادر إدارة الحاكم العام المصري إلى غزه ، وعلى اثر دخولها رفع العلم المصري وبجانبه العلم الفلسطيني على دور الحكومة ومنشآتها .


تقيم الوضع بعد العدوان


بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانتهى العدوان بدأ الناس يستسلمون للأمر الواقع الذي أصبح تغييره شبه مستحيل في ظل القدرات العربية المتواضعة أمام قوة إسرائيل آنذاك فأعطى الناس لأنفسهم الحق بالتفكير قليلا بحالهم وأحوالهم وما ألت إليه أوضاعهم المأساوية  وللخروج من هذه الأجواء الملبدة بالغيوم استطاع شعبنا القفز على كل جراحة وآلامه فانصرف الناس إلى العلم والتعليم والبناء والتعمير ونشطت الحياة الاقتصادية وازدهرت التجارة والزراعة والصناعة وما كان ذلك ليكون لولا وجود القوات الدولية التي وفرت الأمن والأمان للمواطن وأصبحنا نشعر فعلا آنذاك أننا على أعتاب مرحله جديدة أطلق عليها البعض العصر الذهبي للقطاع  .

أعاد الناس ترتيب أوراقهم من جديد وانشغلوا قليلا بأنفسهم فأعلنوا التحدي وعقدوا العزم لمواجهة الحياة بقوه وثبات للنهوض بالمجتمع الفلسطيني من جديد رغم كل المصاعب ورغم كل التحديات .

اطفال غزة بعد العدوان 

نظرة شاملة للقطاع بعد العداون

بعد أن وضعت الحرب أوزارها عام 1957 وانسحبت إسرائيل إلى ما وراء خط الهدنة ودخلت القوات الدولية إلى القطاع ، بدأنا على أعتاب مرحله جديدة تميزت بالاستقرار السياسي الذي انعكس على الحياة بشكل عام فراجت التجارة وانتعشت الحركة الاقتصادية ونشطت السياحة وتطورت الحركة التعليمية ، كل ذلك ساهم برفع مستوى النمو الاقتصادي ومستوى دخل الفرد الشهري وتوفر فرص عمل كثيرة أمام الموطنين فعم الخير والبركة على الجميع وأصبحنا نعيش بالعصر الذهبي للقطاع كما كان يقال .

وسألقي الضوء هنا على أثر ذلك التقدم والازدهار على مخيم البريج وعلى المخيمات المجاورة له وسأحاول إبراز أهم مظاهر تلك المرحلة في كافة النواحي الاقتصادية والزراعية والصحية والتعليمية .
وفي نهاية هذه المرحلة سأتحدث عن الحركة السياسية ونموها وتفاعل الأحداث وتطورها المتلاحق وتدهور الأوضاع السياسية وقرع طبول الحرب التي أدت في النهاية إلى حرب حزيران عام 1967 وتسببت في ضياع البقية الباقية من أراضي فلسطين وأجزاء من الدول العربية المجاورة .

انعكاسات الاستقرار السياسي

بعد مرور حوالي عشر سنوات على هجرة سكان المخيم وبعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 واحتلال إسرائيل لكافة قطاع غزه وشبه جزيرة سيناء بالكامل تجلى للناس بوضوح قوة إسرائيل المتنامية وحالة الحكومات العربية المتردية فتسرب اليأس وخيبة الأمل إلى أبناء المخيم والى كافة أبناء الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده ، أصيب أبناء الشعب الفلسطيني بالإحباط وبدأ الناس يفكرون بجد بتحسين حالهم وأحوالهم المتردية والسعي لإنقاذ أسرهم من حالة الفقر المدقع الذي أصبحوا يعانون منه بعد هجرتهم . 


انصرف الناس إلى تصريف أمور حياتهم بشكل عادي بعيدا عن التوتر السياسي فأهتم الناس بالعلم والتعليم وأولوه جل اهتمامهم واهتموا بالزراعة والتجارة وصناعة الموبيليا وساحاول توضيح ذلك بالصور




انتشار بيارات البرتقال في غزة 

البرتقال في غزة اصبح ثروة وطنية 
سوق الزاويا في غزة 
نشاط صيادي السمك 
طلاب من ابناء غزة 
طالبات من بنات غزة 
تطور النمو العمراني 



انعاش الحركة الاقتصادية

ساعد الاستقرار السياسي على تنقية الأجواء وخلق مناخ جيد ساهم في ازدهار التجارة ورواجها وانعاش الاقتصاد وتنميته ، واهم العوامل التي ساعدت على نمو التجارة في غزة هو ميناء غزة التجاري حيث تم فتح ميناء غزه أمام التجار ولأول مره سمح لتجار قطاع غزة بحرية الاستيراد والتصدير وتم إعفاء البضائع من القيود الجمركية واعتبار قطاع غزه منطقة حره ، انعكس ذلك إيجابا على الوضع التجاري بشكل عام في قطاع غزه وراجت التجارة بين شطري الوطن عن طريق الاردن فوصلت بضائع غزه الى الضفة الغربية واصبحت غزه هي العاصمة التجارية لفلسطين ونشطت التجارة بين فلسطين والدول المجاورة الا أن قلة الموارد الطبيعية في فلسطين أدت إلى حصر المجال التصديري في المجال الزراعي والمواد الغذائية والمواد الأولية والبضائع غير المصنعة.
ميناء غزة عام 1965

التجارة الخارجية لقطاع غزة عام 1967:

وقد احتلت الصادرات الزراعية النسبة الكبرى من صادرات الضفة الغربية؛ إذ بلغت 78%؛ أما المنتجات الصناعية فقد بلغت 22% من مجموع الصادرات؛ وكانت عبارة عن مواد غير مصنعة كالصوف والجلود ، وقد شكلت الواردات الغذائية النسبة الكبرى (60%، والواردات النفطية 30%، ومواد أخرى 10%).


اهم صادرات غزه للضفة الغربية :
1- الاسماك الطازجة 
2- الفسيخ بانواعه 
3- الحمضيات وتمثل نسبة 78%
4- اطقم الخزيران 
5- الصوف والجلود 
6- الخضروات 

علما ان الضفة الغربية فقدت بعد نكبة عام 1948 قسماً هاماً من مواردها وقدراتها الاقتصادية داخل فلسطين المحتلة، ومنذ عام 1950 ارتبط اقتصاد الضفة الغربية باقتصاد الأردن، وأصبحت تجارتها جزءا من التجارة الخارجية للأردن حتى عام 1967.


اهم واردات غزة من الضفه الغربية :
1- سمنة الغزال ملعقتين 
2- التين المجفف (القطين)
3- قمر الدين والملبن 
4- العجوة
5- الجبنه النابلسية والصابون 
6- زيت الزيتون 
7- الزعتر 

ويمكن هنا إلقاء نظرة على الوضع التجاري في القطاع بشكل عام حيث انتشرت المحلات التجارية في كل مكان وفتحت الورش الفنية ومعامل تصوير وتحميض الأفلام وانتشرت معامل الطوب وأحجار البلوك في المدن والمخيمات على حد سواء واذكر هنا أهم الورش والمصانع والمحلات التي كانت منتشرة في الستينات :-

1- ورش الخراطة واصلاح وصيانة السيارات
2- ورش الزجاج والحدادة
3- معامل التصوير وتحميض الأفلام .
4- معامل الطوب وأحجار البلوك
5- صناعة الحلوى
6- صناعة الفخار
7- صناعة الاحذية
8- صناعة الملابس
9- صناعة الخيزران
10- صناعة الاثاث  

مقدمة الكتاب

مخيم البريج  مخيم البريج هو أحد مخيمات اللاجئين التي انشأت بعد النكبة عام 1948م وان كان يختلف عن باقي المخيمات لانه كان منشأ من قبل وهو ملي...

المواضيع الاكثر مشاهدة